simo.boualam@gmail.com

هذا المدون منذ فترة من الزمن أصبح (Agnostic) "لا أدرياني" أو ربما ملحد، ولكنه سيبقى وسيموت إنسانيا من أجل العدالة والمطالبة برفع صناعة الحقارة عن الشعب المغربي وشعوب العالم غير الحر بأسره، هذا المدون يحترم كل الأديان ويرتقي عن الصراعات الطائفية أو العرقية العقيمة، مدون وناشط حقوقي بسيط داعم لمنظمات المجتمع المدني الديمقراطية الإنسانية غير الحكومية. الآراء الواردة في هذه المدونة هي شخصية فقط ولا تلزم أية جهة.

عدد زوار المدونة

الأربعاء، 19 ديسمبر 2018

صحافة القمل وتحولات الأقلام في منظومة الريع : نموذج رشيد نيني في المغرب

كنت كتبت قسم النقد في مقالة صحفي مغربي اسمه رشيد نيني على ويكيبيديا الموسوعة الحرة، الذي أصبح  أحد رموز "التحولات" السلبية، من الأقلام النحاسية إلى أقلام هشة رديئة، نخرها الصدأ والرداءة من حيث القيمة الجوهرية.

وبعد تعرض ذلك القسم للتخريب، رغم توفري على صلاحية مسترجع ومراجع تساعدني على إمكانية حماية المقالة من التخريب والتعديلات المفبركة، إلا أن ضيق الوقت لا يسمح لي بتتبع وحماية المقالات التي عدلت فيها أو أنشأتها أو طورتها في أوقات مختلفة من بعض المخربين، مما سيضطرني  لنقل ذلك القسم  النقدي على بعض مدوناتي وعلى مواقع إعلامية مرموقة ذات وزن ثقافي وفكري ومصداقية، لحماية صوت الحرية أولا ثم حماية  الجزء الذي تم تخريبه وطمسه وتعديله بطريقة باهتة ركيكة من حيث الجوهر والمعنى، ومن حيث الشكل العام أيضا، حيث يقوم بتعديل قسم النقد  الذباب الإلكتروني بحسابات دمى، بأسلوب وطريقة رديئة، تخدم عقلية العتمة والإرهاب والريع والديكتاتورية، ولكن التشبث بحق حرية التعبير، هو من الطبيعة الحرة في الإنسان العاقل، وضرورة محاربة صحافة القمل التي تغتني وتتموقع على حساب مأساة شعب الموروس المضطهد والمُفقّر والمجهل.

لذلك استعدت كمدون حرّ وبسيط، القسم النقدي الذي خربه عملاء من الذباب الإلكتروني، وحفظتها على الشكل التالي في مواقع متعددة، أولها على مدونتي التي لم أدون فيها  بشكل نشيط منذ سنوات خلت، لأن أعداء الحرية والفكر الحر بإمكانهم المغافلة أو القمع ومحاولات التعتيم الممنهجة والمدفوعة، ولكن لن يستطيعوا  حبس الأجنحة بأسوار العبودية والعتمة، لأن أجنحة الفكر الحر تطير وتحلق ولا تُحاصَر، ما دامت العقول والقلوب والضمائر حية، تؤمن بمبدأ الحرية والإنسان أوّلا 
Human & freedom first 

وإليكم  قسم النقد الذي خربه أكثر من مرة  الذباب الإلكتروني في مقالة صاحب عمود "شوف تشوف" الذي كان من أشهر الأعمال الصحفية  على الساحة الإعلامية المغربية والصحافة الورقية في وقت ما ومرحلة وجيزة سابقا ولكنها تركت بصمة في كرونولوجيا تطور الصحافة المفربية:

بعد خروجه من السجن محكوما بسنة واحدة، ليست بالطويلة على "صاحب العمود"  بالمقارنة مع قضية سجن حرية ومستقبل شعب ووطن، ذلك العمود الذهبي، الذي تحول إلى صدأ رديء ومتناثر بفعل فاعل،  بعدما جُلد وصُلب  صاحبنا على عمود سجن عكاشة، وهو السجن الذي يقبع فيه الآن المعتقل السياسي ناصر الزفزافي أحد نشطاء حراك الريف وقبله المغني معاذ الحاقد والعديد من سجناء الرأي،  قرر صاحب العمود بعد الخروج من السجن كرمز للصحافة المستقلة (إلى حد ما، في حدود الإنارة المتاحة آنذاك)، أن يرحل لمدة وجيزة إلى إسبانيا، ثم عاد للمغرب حيث قضى بعدها سنة بيضاء بعيدا عن ميدان الصحافة، ليقرر تأسيس جريدة الأخبار المغربية، ويَشغل مدير تحريرها ومالكها في نفس الوقت. 

إلا أن الخط الصحفي المستقل الذي عُرف به في بداياته مع جريدتي الصباح والمساء في مشروعه الجديد، لم يعد يبدو واضح المعالم منذ البداية في نهجه الجديد، وفي العمود الذي اشتهر به تحت عنوان "شوف تشوف" بالضبط، الذي كان يعرف شهرة واحتراما في صفوف الطلبة والموظفين والفئات المثقفة والمعارضة قبل فترة الربيع الديمقراطي، عندما كان ينتقد بطريقة فريدة أشكال الفساد الإداري والريع واستغلال ثروة الشعب وهضم الحقوق وغياب المحاسبة والمراقبة،  بطريقة نقدية كانت  تأخذ المد والجزر والمناورة..

إلا أن خطه التحريري لم يستطع التطور ومواكبة رياح التغيير في الربيع الديمقراطي، وما حملته من ارتجاجات في العقليات وعدم مواكبته لمؤشر الحرية والتحرر في العقليات، والتحول الحاصل في طريقة فرض حرية التعبير كأمر واقع لا مناص عنه في القرن 21، وممارسة الحرية فكرا وتعبيرا وأسلوبا لدى النشطاء والكتاب والمدونين  المعارضين للسياسات الظالمة اللاديمقراطية الهدامة والمخربة، أولائك الذين يرفضون الوضع القائم الموروث، ويصفونه بالفاسد  والمتسلط والريعي الهدام، غير العادل وغير البناء، وضع وميكانيزمات أكل عليها الزمن وشرب ولم تعد تصلح حتى في جزر الوقواق الخيالية الخالية من الإنسان العاقل "الهوموسابيينس".

وقد توقف المنحى الصحفي النقدي والتحليلي في أسلوب رشيد نيني وافتقد لخاصية التطور والتجديد، وظل محدودا إلى أن أصابه العجز والركود والركوع أمام دعاة  التردي والتخلف والقبضات الحديدية الهدامة في صناعة الرداءة والصدأ، بل ما لبث أن طبّع مع الأوضاع القائمة، التي تجري مجرى المرض والطفيليات في الشعب المغربي وتُعيق رفاهيته وتقدمه من كل الزوايا والجهات، الأمر الذي فتح أقلاما وأصواتا أخرى كثيرة ومتعددة المشارب الثقافية، بين مغاربة الداخل أو مغاربة الشتات لملأ الفراغات لكي لا تسيطر الثقوب السوداء على الفكر الحر، أمام انعدام صحافة رسمية وأحزاب رسمية تمثل المعارضة الحقيقية على الميدان الرسمي في ميكانيزماتها المتعارف عليها دوليا وعالميا كما هو الحال لدى جيراننا الأوروبيين كالإسبان والبرتغاليين.

 وإن شكّل قلمه طفرة إلى حد ما في الصحافة المغربية الورقية بمعية صحفيين بارزين كعلي المرابط وخالد  الجامعي في ميدان الصحافة من داخل المغرب، إلاّ أن قلم رشيد نيني كظاهرة صحفية سابقة بقي محدودا، مقارنة مع التطور الذي رسخه مجموعة من الأقلام الحرة كعلي المرابط وأنوزلا وخالد الجامعي الأب والإبن وطبعا الكثير من المدونين في الشتات والداخل خارج العناوين الرسمية من الذين يسعون إلى  حمل مشعل الصحافة الحرة والرأي الحر، كل بطريقته وأسلوبه الخاص.. وإن كانت القائمة على المستوى الصحافة الرسمية   محدودة حدا ممن يمثلون المهنية الحرة  والمستقلة ذات خط نقدي معارض، لأن الصحافة الحرة جزء لا يتجزأ من الحياة الديمقراطية والثقافية والاجتماعبة والسياسية، هي تلعب دور المرآة، والتعتيم عليها لا يساعد على إدراك حقيقة  الأمور كما هي في الواقع وتشريحها للرأي العام ووضع الأصبع في حجر الزاوية والإشارة بكل حرية لمكمن الخلل.

 ولم يرقى رشيد نيني إلى مستوى مواكبة التطور الحاصل في الطفرة الإعلامية، التي أتاحتها التكنولوجيا الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة والانفتاح على العالم الخارجي  وتطور العقل الإلكتروني وزحف تسونامي العولمة في مناهضة التقليدي الرديء المتسلط والديكتاتوري، حيث ارتقى المواطن المثقل بأفكار الماضي المنبو والرديء، من حالة الاستهلاك الإعلامي السلبي والإجباري إلى مستوى التفاعل والتحليل والإنتاج، من خلال خاصيات حرية الاختيار والمشاهدة وتوفر الإعلام البديل متعدد الأقطاب وإمكانية النقد والتدوين والمناقشة ومشاركة الرأي والرأيً الآخر والدعم ونقد النقدي ومعارضة المعارض.. 

وما حملته الطفرة التكنولوجية من ارتجاجات قوية لدى العقل في شمال إفريقيا والشام، كجزء من عالم اليوم (القرية الصغيرة)، حيث تبقى هذه المناطق والدول عامة في منطقتي شمال إفريقيا والشرق الأوسط، إحدى أسوء مناطق العالم التي مازالت تعاني من حالة فريدة من إشكالية التسلط والقمع والتخلف الديمقراطي والفكري والعلمي والتعليمي، وما يتولد عنها من انتشار ثقافة العنف والهمجية.. التي قد تصل أحيانا إلى درجة العبودية والإرهاب.

وقد يُرجع بعض النقاد أسباب هذا التحول في قلم رشيد نيني إلى مراكمته لثروة بعد خروجه من السجن، وتفضيله السعي إلى الاغتناء وتطوير الجانب المادي الخاص، وبناء شبكة علاقات مع الريع المرتبط  أيضا بالميدان الإعلامي، وهو الميدان  الذي تحاربه الديكتاتوريات وتريده مجرد إعلام تسويقي رديء في خدمة مصالح غرورها المنتفخ والضيق الأفق والهدام والطفيلي على حساب  الأمة وحقوق الشعب، الأمر الذي يعيق  تطور الشعب من حيث الرفاهية المادية والمعنوية والحقوقية والحضارية والمدنية.. غرور أوليغارشي هدام الفكر والتعليم والديمقراطية هدام للشعوب والحريات العامة وحقوق الإنسان وناهب للثروة وصناعة الثروة وتطوير وتوسيع الثروة الذاتية في خدمة رفاهية الأمة وتطورها جيلا بعد جيل.

إن اختيار النخب المغربية  للجانب المادي في ظل الأوضاع المتردية على حساب قيمة الجانب المبدئي والإنساني والقيمة المعنوية والفكرية، هو إعادة إنتاج الرديء في ميزان تنعدم فيه الحريات والديمقراطية التي تخول للمجتمعات والشعوب أن تحيا حرة بخاصية التطور المطّرد ليكون لها فعل تاريخي في مشعل الحضارة الكونية  والأنوار من إنتاج فكري وعلمي وأدبي وتكنولوجي وفني.. 

إن الريع الاقتصادي والسياسي والإعلامي وغياب ميكانيزما ديمقراطية قوية ومتينة تمنع كل سبل التغيير البناء، كعامل حاسم وفاصل لتطور الشعوب والأوطان ومعالجة مكامن الخلل التي تنتج الخراب والتخلف والمظاهر الرجعية القرنوسطية، للخروج من دائرة ومتاهة دهاليز الظلامية والاستعباد.

وهي الحفرة والفخ الذي سقطت فيها شعوب منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تلك التي تحجز مقعدا في الجامعة العربية التي تجمع كل أنواع التخلف والانحطاط والفوضى والعتمة كل ما يهمهم أن يمشي القائد الهمام بالطاغوت والغرور مشية الطاووس الذي ينفش الريش وينفخ الخطى في أحلام جنون العظمة يجر لوحده مؤخرة الوطن العارية خلفه يهرول وراءه المرتزقة الخفافيش الظلامية.. وشعب  يرزخ بشكل درامي مأساوي  تحت العتمة وكل أنواع التفقير والتجهيل والتعتيم والحكرة والبطش والنهب، ليكون متخلفا بكل المقاييس، الكثير من شبابه لا يحترم حتى ثقافة الطابور ولا يحسن حتى ركوب الباصات  أو السير باحترام في الطرقات ولا يحترم ثقافة الطابور وأسبقية المرأة والطفل والرجل العجوز في الممرات والطرقات...

مكينة تصنع التخلف وتريد لهذا الشعب الجهل واالتخلف والفوبيا مقابل نسر واستبقاء فوبيا الأنوار وزرع القهر والمهالك، في ظروف سياسية اقتصادية تاريخية ثقافية اجتماعية.. بعضها محلي وبعضها إقليمي وبعضها يمتد إلى خيوط  دولية استعمارية.  إنها حالة سياسية-نفسية رديئة جدا، استطاعت دولة كجنوب إفريقيا من تجاوزها بفضل نخب سياسية وطنية حرة ومثقفة أهمها الشخصية الإفريقية العالمية "نيلسون مانديلا".

وتلك القيمة المعنوية في الفعل الإصلاحي والتنويري هي التي تفتقدها النخب المثقفة والنخب الإعلامية والسياسية الغارقة في الريع والتنفع الخفاشي، تفتقدها في الحَلَقة الأخيرة كقيمة القيم المعنوية والجوهرية، مقابل القيمة المادية الريعية في غياب إحكام الديمقراطية والقانون البناء الذي يكون فوق الجميع.

وقد اختار رشيد نيني أسلوب التطبيع مع الفساد والركوع لقبضة الاحتكار والتحكم الأوليغارشية، بخلاف صحفيين مغاربةّ من صحافة الداخل على أقليتهم الذين يعدّون على رؤوس الأصابع، دخلوا التاريخ التنويري المغربي من بوابة الإعلام والصحافة من خلال ممارسة صحافة نقدية بناءة تنويرية تنقل الحقيقة كما هي تنتقدها بلا هوادة وتحلل الخلفيات والكَولَسة وتشير إلى مكامن الخلل وتوضح المستور المفبرك.. مع صعوبة ممارسة قيم الحرية من  الداخل المغربي، ولكن تبقى هناك دائما شموع وشماعات في كل الظروف والأحوال، نذكر من بينهم حميد المهداوي المسجون إلى حدود كتابة هذه السطور وعلي المرابط المحكوم سابقا بمنعه من الكتابة في الصحافة الرسمية وبوبكر الجامعي.. وكءلك الكثير من المدوّنين وكتاب الرأي الحرّ على مستوى الشتات، أو في الداخل، وغيرهم من  المعرضين لأخطار التضييق والتحريض والحصار والتعتيم والملاحقة والسجن في أحيان كثيرة.

باختصار شديد: إذا لم يستطع قلمك وضع بعض اللبنات في تشييد مصابيح الأنوار وتدوين نبرات على بوصلة الحرية وتلك الأنوار التي دونتها أقلام وأصوات ومواقف كالشموع، نقلت الأوروبيين من عصر الظلمات إلى عصر الأنوار..

إذا لم يستطع قلمك أن يكون نحاسيا كشمعدان المصابيح والفكر الحر والفكر النقدي التحرري ضد صناع العتمة والتخلف  وفوبيا الأنوار وطواغيت الجمر.. فمن الأفضل أن تضع ذلك القلم جانبا وتبتعد عن ميدان الصحافة.. لأنه ميدان ولد ونشأ ليكون حرّا هو بدور المرآة في الأوطان الحرة ليرينا وجوهنا كما هي في المرآة يرينا بشاعتنا الحقيقية، ولتتم الرؤية نحتاج للنور.. للنور كي تكتمل الرؤية وندرك الحقائق الخفية ونشير ونفهم مكامن الخلل.

سنة 2019 سعيدة، وكل عام وأنتم و أنتن أحرار.
نعم إنها الحقيقة مون كماراد

المدون 
محمد بوعلام عصامي


  

الأحد، 18 مارس 2018

مقالة جورج أوريل اللاذعة ومغرب الإقطاعية وما محل الإنسانية في هذه البقعة من الإعراب؟


النبش في مقالة الأديب جورج أوريل George Orwell عن مغاربة 1939 من القرن 20، بعد مرور أكثر من ثمانية عقود، وكأنها لازالت تحكي عن واقع مرير من الحقارة والحيف عن مغاربة القرن 21
___________________________
محمد بوعلام عصامي

مشكلة الكثير من البشر، أنهم يرون كومة الحطب التي تمر أمامهم، ولا يرون العجوز التي تحملها، يرون الحذاء ذي العلامة الرفيعة ولا يرون ماسح الأحذية، يرون مناجم الأرض من الذهب والفضة والفوسفاط ولا يرون سكانها من أحياء الهوامش والصفيح، يرون الحقول الشاسعة ولايرون الفلاح الصغير... 
____________________________________________________________
هذه العبارات استلهمتها من مقالة الكاتب الإنجليزي جورج اوريل
George Orwell عن مغرب 1939، وهذا الفيديو هو ترجمة "دارجة" تم صياغتها بترجمة متطورة من خلال إيصال مضمون وجوهر المشاعر والمعنى والإحساس في الرسالة، وهي لمقالة أدبية لكاتب انجليزي يعتبر واحدا من نجوم الأدب الإنجليزي في القرن العشرين.
المقالة كتبها سنة 1939 في زيارة سياحية استكشافية للمغرب، تتضمن نقدا لاذعا لنظرة الشمال للجنوب، وهو الوصف الذي يضم عبارات وصف بها المغرب العميق
 كما هو، ذلك المغرب العميق الذي لم يتغير كثيرا اتجاه الإنسان واعتبار الإنسانية وحقوق المواطنة، الحق في الحصول على فرص متكافئة، وعدم احتكار الثروة والاستلاء على الإمكانات وتحقيق التسهيلات والمرور بالزرابي الحمراء نحو المصالح الذاتية الشخصية المادية للأعيان الرجعية الإقطاعية المتوحشة، الاستمرار في عدم توفير حق االعيش الكريم والحق في الإنسانية والعمل من أجل توفير تنمية للساكنة على رأسها الأطفال والمرأة.
يظهر أن المغرب لم يتغير وضعه الإنساني بعد مرور 84 سنة.. مازال يعيش في نفس منوال اختلاس الثروة والتفقير واحتقار واستحمار الإنسان وكأنه مجرد أشياء لاقيمة لها (التشييء)، تستمر هذه النخب الإقطاعية من الأعيان المتوحشة المورثة عن مغرب الظلمات الطي رتعت ثقافة القيد والحكرة وجيوش المرتزقة التي قامت على اغتصاب البشر والأرض والإنسانية، فهم مازالوا ينظرون بنفس العقلية التشيئية إلى إنسان ذلك الأطلس والصحاري والوديان، ينظرون إلى الأرض وما تحت الأرض من ماجم  وعلى الساحل وما في الساحل، دون النظر إلى ذلك الطفل وتلك العجوز وتلك المرأة في كفاحها من أجل لقمة عيش حقيرة من أجل البقاء فقط، البقاء على تلك الأرض المنهوبة على مر العصور والأجيال...


يضم هذا الفيديو بمعية الترجمة صورا من النصف الثاني من القرن 20 والقرن 21، صورة تلك المرأة العجوز حمّالة الحطب، وصور حمالات السلع على بوابة الذل وإهانة المرأة على أبوب سبتة، وتلك الطفلة بين الثلوج التي تبحث عن بقايا الباطاطس، وذلك الحذاء البلاستيكي الممزق من بقايا ضحايا التدافع من أجل الحصول على كيس الدقيق والسكر من تنظيم أحد عملاء الوهابية السعودية في المغرب.
المقالة مترجمة ومرفوقة بصور لمغرب ما بعد الاستقلال إلى يومنا هذا... مغرب القرن 21. إنه وصف ونظرة لهذا الإنسان المغربي في الهامش، الإنسان الذي يعيش ويموت ويحيا حقيرا كما قال كاتب المقالة...
نعم يحيا ويموت حقيرا لا شيء غير ذلك، بسبب سياسة نهم ونهب وحقارة النخب والأعيان المتوحشة المغربية..
 التي لا علاقة لها بالدور الذي لعبته وظلت تلعبه نخب دول الشمال لصالح شعوبها.
الإستعمار في المغرب  وجد وضعا ولم يغيره، استغله لصالحه وتعامل معه بميكيافيلية.. ترك نفس الظروف بل ورسخها أحيانا خدمة لأجندته الاستعمارية.

الإقطاعية المغربية والاستعمار يرون أشياءا لا نراها، والأعيان المتوحشة في هذا المغرب العميق ترى أشياءا لا نراها.. ولكننا نرى ما لا يرون.. نرى الإنسان، نرى تلك الطفلة البئيسة بحذائها البلاستيكي الممزق، نرى معاناتها نرى الإهانة التي تتعامل معنا كمجرد أشياء.. إننا نرى المستقبل ونحلم بغد أفضل للجميع.. نحلم بالعدالة وتطبيق القانون نحلم بمحاصرة الإجرام والعقليات الإقطاعية الهدامة المصاصة لدماء الإنسان والطفولة الضائعة نحلم بوضع حد لصناعة الهمجانية والتعامل مع الشعب كالقطيع.


impoverishment
 

المقال للكاتب الإنجليزي، هو أيضا نقد لاذع للعنصرية والأحكام المسبقة، عندما يقول: إننا ننظر لكومة الحطب ولا نرى العجوز التي تحملها... وهي ورفض لسلوكات وأفكار فوقية أنانية لا إنسانية تشييئية أبارتايدية تجرد الإنسان من إنسانيته وتسلب حقه في الوجود والإنسانية، أشياء تحدَّث عنها أورويل بأسلوب غاية في الذكاء ودقة الوصف بدون نفاق وضع الأشياء كما هي وضع النقاط على الحروف كي يقرأ العالم والإنسان أجيال المستقبل م دون بين السطور، وها نحن جيل اليون نتلقفها ونعيد مقارنتها وقراءتها وتحليلها..  حيث يقول في معرض مقالته الأدبية: إننا نرى كل شيء إلا الإنسان..
من نظرتي الخاصة أعتبر ما ورد في مقالة الكاتب، نقدا لاذعا لنظرة الإنسان الأناني الجشع، الذي لايرى غير نفسه على حساب تشييء الآخر وسلب إنسانيته وحقوقه في الوجود والحياة الكريمة.. وهو أيضا سؤال موجه للعقل المغربي والمغاربي في شمال إفريقيا التي مازلت تمارس العبودية والحيف والاحتيال وامتصاص دماء الشعب في صناعة الفشل والتخلف والانحطاط، صناعة جيوش من الهمج والبلطجة والمجهلين وقوارب الموت البشعة.

حمالة الحطب والعذاب السيزيفي  في جهنم هضم الحقوق و مغرب مافيات التفقير 


______________________________________________
تحياتي لترجمة المقالة الإنجليزية في هذا الفيديو بدارجة مغربية، وطريقة صياغتها التي تعبر عن أحوال الإنسان على هذه البقعة من الأرض.. كما هي، لأن صناعة الحقارة، لم يصنعها المستعمر، وإنما وجدها، فكرسها ورسخها وتعامل معها في مغرب الجشع والنهب والنهم والهمجانية التي تسيطر على عقلية الأعيان المغربية الرجعية الإقطاعية المتوحشة، التي تسببت في إنتاج صور بشعة في منظومة حياة لامدنية لاإنسانية إرهابية، مليئة بالظلم والحيف والإقصاء و"الحكرة" وثقافة الاحتيال والاستلاء واغتصاب الأرض والحقوق والثروة.. وما أنتير ومن قوارب الموت، وجيوش المتسولين والعاطلين وشبكات المتاجرين في البشر.

 لأنه لا يعني لي شيئا من نظرة مواطن وإنسان بسيط، وأنا أتجول، وألاحظ ما ألاحظ من أطفال الشوارع، ومواطنين على أبواب المستشفيات يتسولون العلاج ومدارس عبارة عن حجرات لقمع الأطفال وإرهابهم وتكديسهم كعلب السردين وأرقام الهدر المدرسي المهولة.. التعليم لم يعلم الإنسان المغربي حتى السير بانتظام واحترام الأسبقية للعجوز والمرأة وإعطاء أهمية للطفولة، بالنسبة لي كل ماأراه واضحا هو فشل مغرب الاستقلال في إنشاء مدرسة محترمة للطفل ومستفشى يحترم إنسانية المواطن وأدنى شروط العيش الكريم مع كبث الحريات والحقوق للتعبير عن الامتعاض الشديد....

 وما وُثّق من التعذيب في مغرب القرن 20 و 21 بأبشع الأساليب الجهنمية منذ عقود عهدالرصاص في الموجات الإشتراكية وما قبلها وما بعدها، التي لم تُخفى على أحد من اغتصاب النساء والرجال إلى احتقار الإنسانية في هذا الوطن بتعذيب الناس بالقنينات في السجون السرية، كأفلام خيال الرعب، لم تخلق إلا مجتمعا لا يعرف شيئا غير الهمجية والعنف والكراهية والخوف والنفاق و"الحكرة" ولا يفهم غير لغة العنف وهي اللغة التي يحترمها الجميع في بلاد مغرب الانحطاط واحتقار الإنسان..
مجتمع وشعب لا يساوي شيئا أمام أنظار العالم.. مجرد مجند في شبكات الإرهاب الوهابية أو مهاجر في قوارب الموت أو منخرطات في شبكت الدعارة الدولية للمتاجرة باللحوم البشرية البيدوفيلية في منظومة القهر الاستعبادية المنحطة.

______________________________________________
مصادر :

* مقالة الكاتب جورج أوريل بالإنجليزية:
http://www.george-orwell.org/Marrakech/0.html

*مقالتي على موقع لكم:
http://lakome2.com/politique/maroc/36325.html 
*على موقع الحوار المتمدن:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=592592

______________________________________________
محاور:
* نعم_إنها_الحقيقة_مون_كماراد
*
نعم_إنها_الحقيقة_يا_صديقي
*
شمال إفريقيا *المغرب *دول الجنوب * التفقير * مناهضة الاستبداد والتسلط *مناهضة إهانة القيم الإنسانية.
I’m_a_humanist_i’m_free *
______________________________________________

*ملحق:
تدوينة تحت عنوان فكّر بغيرك لمحمود درويش:

http://md-boualam-issamy.blogspot.com/2012/03/blog-post_13.html


______________________________________________________



* الفيديو الذي يضم صورا من القرن 21 عن واقع احتقار الإنسانية، بمعية سرد ترجمة بالعامية المغربية لمقالة الكاتب جورج أوريل عن وضعية الإنسان المغربي في مغرب القرن ال20 
https://www.youtube.com/watch?v=R7IPx9l9GF4&feature=share

الخميس، 15 فبراير 2018

بمناسبة الذكرى المائوية للثورة الروسية 1917-2018: إلى أرواح شهداء الإنسانية والعدالة الاجتماعية

بعد سنين طويلة من الغياب عن هذه الدونة، بعيدا، وبعد السفر في أمواج الحياة والثقافات، بعد الأخذ والرد في أفكار الحياة واحتكاك الأفكار، والتعمق في دراسة الإنسان والمجتمعات، أعود لأكتب تدوينة بسيطة في سطور وجيزة، عن خاصية قوة التحمل عند الشعب الروسي أدونها بمناسبة مرور قرن على أعظم ثورة شعبية أوروبية في التاريخ الحديث: إلى أرواح شهداء الإنسانية والعدالة الاجتماعية، بمناسبة الذكرى المائوية للثورة الروسية.


في تقرير للأكاديمية الروسية للعلوم في سنة 1993 يتحدث عن الخسائر البشرية للاتحاد السوفييتي في الحرب العالمة الثانية، وصل تقديرها حسب التقرير إلى حوالي 26,600,000 نسمة ما بين مدنيين وعسكريين، وهو نفس التقييم الرسمي للحكومة الروسية لإجمالي الخسائر البشرية في الحرب العالمية الثانية، وهو رقم مرعب ومخيف جدا جدا جدا، سنحاول قراءة التقرير من جانب آخر وربطه بالذكرى المائوية للثورة الروسية، التي غيرت كثيرا من الأشياء في مسار التاريخ الإنساني الحديث، في الأفكار والتحالفات والنظرة للصراعات البشرية وفي إعادة قراءة وتقييم التاريخ، فقد أسست الثورة الروسية للاتحاد السوفيتي، الذي أصبح أوَّل دولة دستورية اشتراكية وقوة عالمية، لعبت دورًا حاسمًا في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، تكبَّد على إثرها الاتحاد السوفيتي ضحايا بشريَّة مُرعبة وخسائر مادية وعمرانية ثقيلة، كان أكثر الأطراف تضررا، أثناء الحرب العالمية الثانية، بنفس الترتيب على رأس قائمة عدد ضحايا البشرية في الحرب العالمية الأولى.
كما شهد الاتحاد السوفييتي أبرز النجاحات العلمية والتكنولوجيَّة في القرن العشرين، ففي عام 1957 عرف العالم إطلاق أول قمر صناعي في العالم "سبوتنيك 1"، كما أصبح رائد الفضاء الروسي يوري غاغارين أول إنسان يغزو الفضاء الخارجي ويدور حول الأرض على متن المركبة الفضائية "فوستوك 1".

على مرِّ التاريخ عانى الروس من كل موجات التطرف الجارفة، وغالبا ما يجدون أنفسهم أمامها وجها لوجه وما تحمله من كوارث إنسانية.
الموجات التتارية/المغولية المتتالية على أوروبا من الشرق وما خلفته من دمار في العالم القديم، تلك الموجات التي انتهت مع عصر التفوق التكنولوجي الروسي واستخدامه في الميدان العسكري، ووضع حد لتلك الموجات المتتالية عبر التاريخ وما خلفته من دمار وكوارث بشرية في العالم القديم.. أيضا يحيل على خاصية التحمل الأسطوري لدى الشعب الروسي..

وفي إطار آخر، أود الإشارة إلى الاصطدام المبكر مع ظاهرة الإرهاب الديني المعاصرة، منذ أواسط القرن العشرين، خصوصا مع بداية الحرب الباردة وحرب أفغانستان، وإبان حرب الشيشان ومنطقة القوقاز التي تمت وَهبَنتُها إيديولوجيا وجعلت من الشيشانيين كوقود حرب. حيث عرفت سلسلة من التفجيرات الإرهابية ضد المدنيين الروس في مدن العمق الروسي. فقد كانت السوفييت أول من وجد نفسه مع الموجة الدينية المتطرفة الصاعدة في استغلال المدنيين كوقود حرب وتحريض، تعامل معها الروس برزانة ومرونة وحكمة، دون أن تنجرف السياسة الروسية والشعب الروسي إلى موجات من الكراهية والتطرف المضاد، كردة فعل انعكاسية على تلك الحروب الوهابية بالوكالة، وأعمال إرهابية عانى منها الشعب والجيش الروسي كثيرا، وهو ما يثير التقدير والإعجاب حقا، بعدم انجراف روسيا وسياستها نحو التطرف والعنصرية وموجات الكراهية كردة فعل انعكاسية مضادة تطرف-تطرف عنف-عنف من خلال توليد الكراهية والتطرف الانعكاسي المضاد، على ما تكبدته من خسائر بشرية ومادية وإستراتيجية من حروب إرهابية وأعمال عنف وتفجيرات وصلت للعمق المدني الروسي أضر كثيرا بالوضع الثقافي والاستراتيجي والعالمي للشعوب القاطنة في الدول الإسلامية والجنوب المتوسطي المنتمية لدول الجنوب التي تعاني أصلا من مشاكل إيديولوجية في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعنف والانغلاقية والركود الثقافي وسيطرة حالة اللامدنية في الحكم والمجتمع التقليدي.

ولكن يبقى أكبر خطر واجهه الشعب الروسي بعد الموجات التتارية، هو الموجة المتطرفة العرقية أو الشوفينية المتعصبة في "أوروبا-نصف-الأول-من-القرن-العشرين"، حيث وجد الروس أنفسهم وجها لوجه أمام هذه الضربة الصاعدة والصاعقة عسكريا، وغزو الربيع المفاجئ للاتحاد السوفييتي الذي انتهى مع فصل الشتاء، وما خلفته من كوارث إنسانية مهولة، يشير إلى مدى شراسة المرحلة وميكيافليتها المسمومة المتوحشة في عدة نقاط:

فرغم وصول بعض التحذيرات من بعض الاشتراكيين والشيوعيين غير السوفييت لستالين، كما هو مدون في الأرشيف، إلا أنه لم يأخذها محمل الجد وتحقيق الجاهزية لسببين: أنه كان في معاهدة عدم الاعتداء مع هتلر، وأنه لم يتلقى إشعارا رسميا مؤكدا من إحدى حكومات دول الحلفاء.

رغم الاعتقاد الحالي الذي يقول أن بعض حكومات دول الحلفاء كانت على علم بالإعداد الوشيك لهذا الهجوم الربيعي من الجبهة الغربية لغزو موسكو، الذي لو علمت به القيادة السوفييتية، كان سيجنبها تكبد خسائر بشرية ومادية ثقيلة جدا، فعدم وجود إشعار دقيق من مصدر رسمي وموثوق، ترك القيادة السوفييتية في غفلة عن تحقيق جاهزية عسكرية لصد الصاعقة القادمة من الغرب على الاتحاد السوفييتي، في حين كان التركيز الستاليني منكبا على مخططات التصنيع العسكري السريع، وشدة التوجس من غزو ياباني للاتحاد السوفييتي من أقصى الشرق، من الإمبراطور الذي احتل إقليم منشوريا، وكان متوجسا بدوره بشدة من الشيوعية وإيديولوجيتها في أقصى آسيا (وهنا يطرح لدى المواطن العالمي البسيط سؤالا مباشرا: لماذا لم يتم معاقبة الإمبراطور ومحاكمته إذ تسبب في كارثة إنسانية عالمية في الشرق الأقصى، بينما اكتفى الحلفاء بمعاقبة الشعب الياباني بقنبلتين نوويتين؟
كما شهد الاتحاد السوفييتي أبرز النجاحات العلمية والتكنولوجيَّة في القرن العشرين، ففي عام 1957 عرف العالم إطلاق أول قمر صناعي في العالم "سبوتنيك 1"، كما أصبح رائد الفضاء الروسي يوري غاغارين أول إنسان يغزو الفضاء الخارجي ويدور حول الأرض على متن المركبة الفضائية "فوستوك 1".

على مرِّ التاريخ عانى الروس من كل موجات التطرف الجارفة، وغالبا ما يجدون أنفسهم أمامها وجها لوجه وما تحمله من كوارث إنسانية.
الموجات التتارية/المغولية المتتالية على أوروبا من الشرق وما خلفته من دمار في العالم القديم، تلك الموجات التي انتهت مع عصر التفوق التكنولوجي الروسي واستخدامه في الميدان العسكري، ووضع حد لتلك الموجات المتتالية عبر التاريخ وما خلفته من دمار وكوارث بشرية في العالم القديم.. أيضا يحيل على خاصية التحمل الأسطوري لدى الشعب الروسي..

وفي إطار آخر، أود الإشارة إلى الاصطدام المبكر مع ظاهرة الإرهاب الديني المعاصرة، منذ أواسط القرن العشرين، خصوصا مع بداية الحرب الباردة وحرب أفغانستان، وإبان حرب الشيشان ومنطقة القوقاز التي تمت وَهبَنتُها إيديولوجيا وجعلت من الشيشانيين كوقود حرب. حيث عرفت سلسلة من التفجيرات الإرهابية ضد المدنيين الروس في مدن العمق الروسي. فقد كانت السوفييت أول من وجد نفسه مع الموجة الدينية المتطرفة الصاعدة في استغلال المدنيين كوقود حرب وتحريض، تعامل معها الروس برزانة ومرونة وحكمة، دون أن تنجرف السياسة الروسية والشعب الروسي إلى موجات من الكراهية والتطرف المضاد، كردة فعل انعكاسية على تلك الحروب الوهابية بالوكالة، وأعمال إرهابية عانى منها الشعب والجيش الروسي كثيرا، وهو ما يثير التقدير والإعجاب حقا، بعدم انجراف روسيا وسياستها نحو التطرف والعنصرية وموجات الكراهية كردة فعل انعكاسية مضادة تطرف-تطرف عنف-عنف من خلال توليد الكراهية والتطرف الانعكاسي المضاد، على ما تكبدته من خسائر بشرية ومادية وإستراتيجية من حروب إرهابية وأعمال عنف وتفجيرات وصلت للعمق المدني الروسي أضر كثيرا بالوضع الثقافي والاستراتيجي والعالمي للشعوب القاطنة في الدول الإسلامية والجنوب المتوسطي المنتمية لدول الجنوب التي تعاني أصلا من مشاكل إيديولوجية في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعنف والانغلاقية والركود الثقافي وسيطرة حالة اللامدنية في الحكم والمجتمع التقليدي.

ولكن يبقى أكبر خطر واجهه الشعب الروسي بعد الموجات التتارية، هو الموجة المتطرفة العرقية أو الشوفينية المتعصبة في "أوروبا-نصف-الأول-من-القرن-العشرين"، حيث وجد الروس أنفسهم وجها لوجه أمام هذه الضربة الصاعدة والصاعقة عسكريا، وغزو الربيع المفاجئ للاتحاد السوفييتي الذي انتهى مع فصل الشتاء، وما خلفته من كوارث إنسانية مهولة، يشير إلى مدى شراسة المرحلة وميكيافليتها المسمومة المتوحشة في عدة نقاط:

فرغم وصول بعض التحذيرات من بعض الاشتراكيين والشيوعيين غير السوفييت لستالين، كما هو مدون في الأرشيف، إلا أنه لم يأخذها محمل الجد وتحقيق الجاهزية لسببين: أنه كان في معاهدة عدم الاعتداء مع هتلر، وأنه لم يتلقى إشعارا رسميا مؤكدا من إحدى حكومات دول الحلفاء.

رغم الاعتقاد الحالي الذي يقول أن بعض حكومات دول الحلفاء كانت على علم بالإعداد الوشيك لهذا الهجوم الربيعي من الجبهة الغربية لغزو موسكو، الذي لو علمت به القيادة السوفييتية، كان سيجنبها تكبد خسائر بشرية ومادية ثقيلة جدا، فعدم وجود إشعار دقيق من مصدر رسمي وموثوق، ترك القيادة السوفييتية في غفلة عن تحقيق جاهزية عسكرية لصد الصاعقة القادمة من الغرب على الاتحاد السوفييتي، في حين كان التركيز الستاليني منكبا على مخططات التصنيع العسكري السريع، وشدة التوجس من غزو ياباني للاتحاد السوفييتي من أقصى الشرق، من الإمبراطور الذي احتل إقليم منشوريا، وكان متوجسا بدوره بشدة من الشيوعية وإيديولوجيتها في أقصى آسيا (وهنا يطرح لدى المواطن العالمي البسيط سؤالا مباشرا: لماذا لم يتم معاقبة الإمبراطور ومحاكمته إذ تسبب في كارثة إنسانية عالمية في الشرق الأقصى، بينما اكتفى الحلفاء بمعاقبة الشعب الياباني بقنبلتين نوويتين؟
 ! !  أم أن قراءة رحلة  ما بعد الحرب العالمية، كانت تحتاج إلى الإمبراطور الارستقراطي في الخلفية، لمواجهة الشيوعية السوفييتية القادمة)، وفي ظل التوجس السوفييتي الشديد من الحكم الإمبراطوري الياباني والعكس الصحيح هو الحاصل، بوجود توجس إمبراطوري ارستقراطي ياباني من طبيعة النظام البلشفي السوفييتي، حيث كان يضن الروس أن الحرب من الشرق الأقصى مع اليابانيين لا محالة منها قبل النازيين، رسخ هذا الاعتقاد معاهدة عدم الاعتداء مع هتلر، والعداء الإيديولوجي بين الطبيعة السوفييتية الشيوعية، والطبيعة الارستقراطية الإمبراطورية الميثولوجية للنظام الياباني، وهو ما يفسر أعداد وحدات الجيش الدبابات والترسانة  وحالة التأهب السوفييتية على المناطق المجاورة لليابان وفي أقاصي الشرق.
ربما لم يتم تنبيه القيادة  السوفييتية من الحلفاء الذين علموا بقرار الغزو هو لسبب ميكيافليي بالأساس: وهو ضرب العدو الراهن بالعدو المستقبلي، وإضعافهما معا في حرب إستراتيجية، خصوصا أن عدم حصول هذا الاصطدام بين السوفييت وقوات هتلر، إذا ما أدرك هذا الأخير أنا ستالين على علم بمخططه، قد يؤدي حتما إلى تأجيل الهجوم وتغيير في الخطة، إلى نزول هتلر بكامل ثقله نحو الجنوب وترسيخ وتوسيع احتلاله لفرنسا والاتجاه نحو بريطانيا، ربما هي أمور أو تخوفات جعلت الحلفاء في الغرب، يتغاضون عن إشعار القيادة السوفييتية، وكيف لايعلمون، إذا كان شيوعيون غير سوفييت على علم مسبق بالمخطط الوشيك وقاموا بإشعار القيادة السوفييتية بأمر الغزو، ربما لم يأخذها القادة السوفييت لعدم وجود إشعار موثوق أكيد ورسمي من إحدى حكومات دول الحلفاء، مما تسبب في جعل ظروف الحرب كارثية بالنسبة للسوفييت، بعدم وجود جاهزية وأهبة عسكرية أمام ذلك الغزو الهتليري بثلاثة ملايين جندي، الذي حصل بشكل مفاجئ بهدف غزو موسوكو.
حيث اعتمد ستالين على معاهدة عدم الاعتداء، التي كان يضن من خلالها، أن الحرب ستتعمق بكامل ثقلها النازي نحو الجنوب والغرب وتوسع هتلر أكثر بعد غزو شمال فرنسا وإسقاط باريس، وربما منه الاتجاه إلى باقي دول الحلفاء، خصوصا أن السوفييت كانوا قد دخلوا في التركيز أكثر على مخططات التصنيع العسكري السريع، مع التركيز على الشرق الأقصى بسبب التوجس من إمكانية حدوث هجوم ياباني، معتمدين على معاهدة عدم الاعتداء في خنادق الجبهة الغربية، ورغم أن اليابان لم تقرأ في مصلحتها بتنفيذ هجوم على السوفييت، إلا أن التركيز والتأهب على الجبهة الشرقية والتناعس في الجبهة الغربية، قد يكون وراءه الفوهرر نفسه بتكتيكات تضليلية، هدفها الإعداد لضربة الغفلة القوية بشد الانتباه إلى جهة ثم الصفع من جهة أخرى غير متوقعة مفتوحة وغير محصنة ، التي تتلخص في توقيع معاهدة مع السوفييت وفي نفس الوقت جعلهم يستشعرون الخطر والتوجس العالي من هجوم ياباني من الشرق، مما جعلهم مركزين في الشرق الأقصى، وعلى تنفيذ مخططات التصنيع السريع العسكري، الأمر الذي تسبب في كارثة بشرية في صفوف المدنيين وفي صفوف الجنود السوفييت، بعد هجوم هتلر، وضربه بعرض الحائط المعاهدة،  حيث وقع عدد كبير جدا من الأسرى تم تعريضهم لتجويع وموت بطيء وممنهج، مما أدى إلى موت أكثر من ثلاثة ملايين أسير، وضرب بعرض الحائط  اتفاقية لاهاي ومعاهدة جنيف سنة 1929 التي تشدد على ضرورة المعاملة الإنسانية لأسرى الحرب، فلم يتبقى للسوفييت غير 90 ألف جندي للدفاع عن موسكو.

 في هذه الظروف ستدرك القيادة السوفييتية أنه ليس لليابان قرار بدخول الحرب ضد السوفييت من الشرق، الأمر الذي أدى إلى سحب وحدات عسكرية نحو الغرب للدفاع عن موسكو والصمود في انتظار قدوم فصل الشتاء، الذي سيعمل لصالح السوفييت في ظروف الحرب.
ورغم الخسائر المهولة التي تكبدها الروس، إلى أنهم تمكنوا من إعاقة التقدم الثقيل بخطة مرتبطة بكرونومتر زمني، كلما تناقص كلما اشتغل لصالحهم، وهو نحو فصل الشتاء، وهو أمر يحيل أيضا على مدى قدرة التحمل العميقة لدى الشعب الروسي.

وإن كانت هذه الخلاصات لا علاقة لها بالثورة الروسية، ولكنها تشير إلى نوعية الوسط الذي أنتج الثورة الروسية، التي يقول عنها البعض: إن الثورة الفرنسية حملت حقائبها ورحلت إلى موسكو بعد الانقلاب البورجوازي، وهي التي كانت متحالفة مع التيارات العمالية الشعبية، قبل أن تفترق المصالح ليذهب طرف إلى الشرق الاشتراكي/العمالي/الشيوعي وطرف  سيستقر ويترسخ  في الغرب الرأسمالي الذي سيختار الليبرالية وسيطورها ويجعلها أكثر مرونة وانفتاحا وديمقراطية.

إننا في هذه الأيام من أسبوع الذكرى المائوية للثورة الروسية أعتبرها كأعظم ثورة شعبية في تاريخ البشرية، وما واجهته من مآسي هلوكوست ضد الإنسانية في الحرب العالمية الأولى والثانية، وما شملته من دروس وعبر لأجيال المستقبل ولشعوب العالم أجمع، وما خلقته من ضحايا وآلام بأطفاله ونساءه وشبابه بدون إستثناء... إن الإنسان هو الكائن الوحيد على هذا الكوكب الذي يُمكنه تحويل الحياة إلى جهنم أو إلى جنة من الرفاهية المرتبطة بالحرية وقيم العدالة والتعايش والتسامح والتطور المستمر.

قد تكون الثورة الروسية فشلت إقتصاديا، ولكنها لم تفشل إنسانيا وفكريا وثقافيا وتحرريا وأخلاقيا وعلميا... فهي أحدثت زلازلا كوبيرنيكية تاريخية في المفاهيم والأفكار والنظرة للمستقبل وللصراعات البشرية وفي العلوم والفنون والنظرة للإنسان والمجتمع وللمرأة ودورها ولقيم المساواة والعدالة الاجتماعية وإسقاط الاستعباد الارستقراطي بمفاهيمه الرجعية المتخلفة، إنها ثورة الأحرار ضد عقليات استعباد الإنسان باستلاب حريته وكرامته، بصمتُها مازالت حية، إنها ثورة فكرية وتحررية وإنسانية واجتماعية وسياسية وثقافية،  قامت على فكرة نبيلة مازالت تحلم بها شعوب كثيرة، أي الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

نحن مدينون كشعوب دول العالم الثالث للكثير من الثورات الفكرية الكوبيرنيكية على مستوى تطوير حقوق الإنسان من التصنيفات الطبقية أو الجنسية أو الدينية، ربما فهي من جهة أو بأخرى عملت على دفع العالم الغربي الليبيرالي على التسريع بتبني العديد من المباديء والقيم وتطوير مباديء حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وضمان المستويات الدنيا من العيش الكريم لكافة شرائح مجتمعاته وترسيخ مباديء المساواة وتكافؤ الفرص وحقوق المرأة  والاعتراف بقرار تصفية الاستعمار وحق تقرير المصير.

مهما كثرت الأخطاء والهفوات الخطيرة التي ارتكبتها القيادات السوفييتية في مجتمعها والميول إلى البيروقرطية ومعاكسة الحرية، الحرية تلك التي قامت من أجلها الثورة البلشفية، فرغم ذلك، فإن الثورة البلشفية قد أدت رسالتها من الجانب التحرري الإنساني الفكري الاجتماعي العقلاني، في محاصرة ونقد إديولوجيات استعباد وقهر البشر، مجابهة بقوة ذلك الاستلاب لحرية الإنسان واستعباه بالفكر الميثولوجي الأرستفراطي الفوقي  (الفكر الاقطاعي وفكر حق الملوك الإلهي 
Divine right of kings)، ثورة أدت مهمتها ورسالتها العالمية في جعل عالمنا الراهن يتجه إلى نبذ الفكر التهميشي الطبقي التمييزي الاحتكاري الاستعبادي العنصري الطائفي، وقلبت  الطاولة على تلك المفاهيم المتسلطة عبر العصور والسعي للقطع معها، وذلك أفضل ما يمكن أن تقدمه ثورة، خير من صراعات الحروب والحروب الباردة والهيمنة الاقتصادية.

والعقيدة الشيوعية "إن صح القول" سيثبت المستقبل والعلم أنها أصح عقيدة عرفتها البشرية.. ولكن قوة الليبيرالية تكمن في القدرة على استيعاب  كل الألوان والانفتاح على الجميع، ونبذ التسلط والفكر الأُحادي، وهو الخطأ الذي سقطت فيه العقيدة الشيوعية الماركسية..

إن تاريخ الثورات الأربعة في العصر الحديث، الروسية والأمريكية والفرنسية والإنجليزية ورغبة الإنسان في الانعتاق من قيود التسلط والظلم والاحتكار على مستوى الشعوب، وتاريخ مآسي الحرب العالميتين على مستوى الدول والتيارات والسياسات، تحتم على العالم إعادة قراءة التاريخ الحديث من منظور إنساني للخروج بخلاصات، وبقراءات جديدة علمية حكيمة، وما يمكن أن توضحه من ضرورة نبذ العنف ونبذ التطرف ونبذ الكراهية مهما اختلفت الألوان والأعراق والطوائف والأديان والمعتقدات والأفكار..

إعادة قراءتها بخلاصات واستنتاجات تُجنب الإنسانية مخاطر تحدق بحاضرنا وبأجيال المستقبل.. تعمل على ترسيخ المدنة والقيم العلمانية الحديثة وحقوق الإنسان.. 
قراءات تُنتج الحكمة والإنسانية من دروس الماضي المهول والمرعب.

وفي الختام وإن آل مسار الثورة للأسف الشديد إلى البيروقراطية والتحكم في الدولة السوفييتية ومن بعدها الروسية،  وهذا ما اتت لمناهضته الثورة الروسية أصلا، بإالدعوة إلى إعادة الحقوق وتحقيق العدالة والمساواة، إلا أن الشعب الروسي جعلته ثورته التي أسقت أحد أعتى الأرستقراطيات القائمة على الرجعية واحتقار واستعباد البشر في العالم، التي كانت سائدة معظم العالم آنذاك، باسم الإقطاعية ، ترتقي الأمة الروسية في مصاف الشعوب المحترمة، فعلا كما قال كافكا إن الروس أمة شريفة.
دولة وأمة باخطائها وعيوبها ومشاكلها فهي  لا تحمل ذلك الحقد والعنصرية الدفينة  اتجاه أحد، والأكثر قدرة على التسامح والتصافح وكأن شيئا لم يكن.

محمد بوعلام عصامي

___________________________________________

محاور رئيسية:

*روسيا    *الثورة الروسية  *الحرب العالمية الثانية
_______________________________________
___________

مصادر ومراجع:

Andreev, EM; Darski, LE; Kharkova, TL (11 September 2002). "Population dynamics: consequences of regular and irregular changes". In LutzWolfgang; Scherbov, Sergei; Volkov, Andrei. Demographic Trends and Patterns in the Soviet Union Before 1991. Routledge. ISBN 978-1-134-85320-5.

Ellman & Maksudov 1994, p. 677http://sovietinfo.tripod.com/ELM-War_Deaths.pdf
Haynes, Michael (2003). "Counting Soviet Deaths in the Great Patriotic War: a Note". Europe Asia Studies. 55 (2): 300–309.












البحث في أرشيف هذه المدونة

;